أعمدة الكتابرأي

مُرْتَكَزَاتُ الدَّوْلَةِ الْوَطَنِيَّةِ: وَجَدَلِيَّةُ الْهُوِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ.

الدكتور/ عبدالله عباس قباض

ليست الدولة الوطنية مجرد سلطة تمارس سيادتها على إقليم محدد، ولا مجرد مؤسسات تحمل أسماء الدولة وترفع علمها وتصدر قوانينها. الدولة، في معناها السياسي الحديث، بناء مركب تتداخل فيه الجغرافيا مع السلطة والقانون والمواطنة والذاكرة والهوية والمصالح المشتركة. ولذلك فإن قيام الدولة على الورق لا يعني بالضرورة اكتمال الدولة في الوعي الاجتماعي.

ومن هنا تبدو مسألة الهوية أكثر عمقاً من كونها سؤالاً ثقافياً أو إثنياً؛ فهي تتصل بجوهر العلاقة بين الفرد والجماعة والوطن. إذ لا يمكن بناء دولة وطنية مستقرة إذا ظل سؤال: «من نحن؟» بلا إجابة مشتركة، أو إذا كانت الإجابات المتعددة تتحول من مصادر للتنوع إلى مشاريع متنافسة لتعريف الوطن وامتلاكه.

مُرْتَكَزَاتُ الدَّوْلَةِ الْوَطَنِيَّةِ: وَجَدَلِيَّةُ الْهُوِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ.
مُرْتَكَزَاتُ الدَّوْلَةِ الْوَطَنِيَّةِ: وَجَدَلِيَّةُ الْهُوِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ.

الدولة الوطنية: من الجغرافيا إلى المواطنة

الدولة الوطنية هي الإطار السياسي والقانوني الذي تنتظم داخله جماعة بشرية تقيم في إقليم محدد، وتخضع لسلطة عامة ذات سيادة، وتجمعها منظومة من الحقوق والواجبات والمؤسسات والقواعد المشتركة.

غير أن هذا التعريف القانوني لا يستنفد معنى الدولة الوطنية. فالدولة الحديثة لا تستمد استقرارها من قدرتها على فرض النظام فحسب، وإنما من قبول مواطنيها بشرعية مؤسساتها وشعورهم بأنهم شركاء متساوون فيها.

وهنا ينبغي التمييز بين الدولة والوطن والأمة والهوية. الدولة مؤسسة سياسية وقانونية؛ والوطن فضاء للانتماء والعيش والذاكرة؛ والأمة جماعة تتشكل حول روابط تاريخية وثقافية وسياسية؛ أما الهوية فهي الإطار الذي يجيب عن سؤال الانتماء: من نحن، وما الذي يجعلنا جماعة ذات معنى مشترك؟

قد توجد دولة بلا هوية وطنية راسخة، وقد توجد هوية ثقافية عابرة للحدود لا تتطابق مع دولة واحدة. ولذلك فإن بناء الدولة الوطنية يتطلب تحويل الإقليم السياسي إلى فضاء للمواطنة المشتركة، لا مجرد مساحة تتنافس داخلها الجماعات.

الهوية ليست بطاقة تعريف

الهوية، من منظور اجتماعي وسياسي، ليست صفة واحدة ثابتة يولد الإنسان حاملاً إياها بصورة نهائية. إنها منظومة من الانتماءات والرموز والذاكرة والقيم والتجارب التي يتشكل من خلالها وعي الفرد بذاته والجماعة.

ولهذا يمكن أن تكون للفرد هويات متعددة في الوقت نفسه: دينية، لغوية، ثقافية، إثنية، جغرافية، مهنية، سياسية، مدنية ووطنية. ولا يوجد تناقض بالضرورة بين هذه الدوائر ما دامت الدولة لا تجعل إحداها معياراً للحقوق السياسية.

المشكلة تبدأ عندما تتحول هوية جزئية إلى هوية سياسية كلية، وعندما يُطلب من المواطن أن يختار بين انتمائه الثقافي وانتمائه الوطني، أو عندما تستخدم الدولة أو القوى السياسية أحد مكونات الهوية لمنح الامتياز أو نزع الشرعية عن الآخرين.
ولهذا فإن الهوية الوطنية الناضجة لا تعني إلغاء الهويات الفرعية، وإنما تعني وضعها داخل إطار أوسع للمواطنة.

كيف تحدد الشعوب هويتها؟

لا تُصنع الهوية الوطنية بقرار إداري، ولا يحددها خطاب سياسي مهما كان بليغاً، ولا يمكن إنتاجها عبر الدعاية وحدها. الهوية التي تصمد تاريخياً تنشأ من تفاعل طويل بين التاريخ والجغرافيا والثقافة والتجربة السياسية والمصالح المشتركة.

وعلمياً، يمكن دراسة هوية أي مجتمع من خلال مجموعة من المؤشرات: الذاكرة التاريخية، اللغات المتداولة، القيم الاجتماعية، الرموز المشتركة، أنماط الحياة، المؤسسات، التجارب السياسية الكبرى، تصور السكان لأنفسهم، وحدود الجماعة التي يعتبرونها «نحن».

ومن هنا يمكن القول إن الهوية الوطنية ليست فقط ما يقوله المثقفون عن الشعب، وإنما أيضاً ما يقوله الشعب عن نفسه، وكيف يرى علاقته بالآخرين داخل المجال الوطني.

وهذا يفسر اختلاف أنواع الهوية. فهناك هوية فردية تتصل بخصائص الشخص وخبراته، وهوية جماعية تنشأ من الانتماء إلى جماعة، وهوية ثقافية ترتبط باللغة والعادات والرموز، وهوية دينية تتصل بالمعتقد، وهوية إثنية تقوم على روابط الأصل والذاكرة المشتركة، وهوية جغرافية تتصل بالمكان، ثم تأتي الهوية الوطنية باعتبارها إطاراً سياسياً جامعاً لهذه الانتماءات.0
ولا تصبح الهوية الوطنية قوية بإلغاء تلك الدوائر، بل بقدرتها على تنظيم علاقتها ببعضها.

السودان: هل تشكلت الدولة الوطنية؟
هنا تكمن إحدى أكثر الأسئلة السودانية تعقيداً.

السودان يمتلك منذ استقلاله مقومات الدولة بالمعنى القانوني: إقليم، سكان، مؤسسات، سيادة، دستور وقوانين. لكن وجود هذه العناصر لا يعني أن مشروع الدولة الوطنية قد اكتمل اجتماعياً وسياسياً.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل السودان دولة؟ وإنما: إلى أي مدى تحولت الدولة السودانية إلى دولة وطنية يشعر جميع مواطنيها بأنها دولتهم على قدم المساواة؟

تاريخ السودان الحديث يكشف أن عملية بناء الدولة ظلت محكومة بتوترات متعددة: المركز والهامش، القومية والإثنية، الدين والدولة، المدني والعسكري، التقليدي والحديث، والاختلاف حول مصادر الشرعية السياسية والثقافية.

ولم تكن المشكلة في تعدد السودانيين؛ فالتعدد حقيقة تاريخية لا يمكن إلغاؤها. المشكلة كانت في فشل متكرر في تحويل هذا التعدد إلى صيغة سياسية عادلة.

لقد تعاملت مشاريع سياسية مختلفة مع سؤال السودان كما لو أن المطلوب هو العثور على هوية واحدة جاهزة ثم إلزام الجميع بها، بينما التجربة التاريخية تشير إلى أن الهوية الوطنية لا تُكتشف فقط، بل تُبنى أيضاً عبر المؤسسات والمواطنة والعدالة والمشاركة.

هل للسودانيين هوية متفق عليها؟

الإجابة الأكثر دقة هي: نعم ولا في الوقت نفسه.

نعم، هناك قدر معتبر من العناصر المشتركة: اسم السودان، المجال الجغرافي، تاريخ سياسي مشترك، تجارب وطنية كبرى، أنماط ثقافية متداخلة، علاقات اجتماعية واقتصادية واسعة، وذاكرة مشتركة رغم اختلاف تفسيرها.

لكن لا، لا توجد حتى الآن صيغة مكتملة ومتفق عليها لتعريف «السوداني» من الناحية السياسية والثقافية.

وهذه نقطة جوهرية. فالسودانيون لا يختلفون فقط في أصولهم وثقافاتهم، بل يختلفون أيضاً في تفسير تاريخ السودان ذاته، وفي تحديد مركز الهوية الوطنية، وفي العلاقة بين المكونات المحلية و العروبة و الأفريقانية والإسلام والعلمانية والجهوية وغيرها من دوائر الانتماء.

ولهذا فإن محاولة فرض تعريف أحادي للسوداني لن تنتج وحدة وطنية، بل ستنتج مواطنين بدرجات مختلفة من الانتماء.

من الهوية المتباينة إلى الهوية الجامعة

إذا كان السودان يريد بناء هوية وطنية راسخة، فإن الطريق لا يبدأ بالبحث عن «هوية أصلية» يتم إسقاطها على الجميع، وإنما بإقامة عقد وطني جديد يحدد القواعد التي تجعل الاختلاف آمناً ومشروعاً.

وهذا يتطلب أولاً ترسيخ المواطنة المتساوية، بحيث لا تكون القبيلة أو الجهة أو الدين أو اللون أو اللغة مدخلاً للحقوق السياسية.

ويتطلب ثانياً إعادة قراءة التاريخ السوداني بصورة علمية متعددة الأصوات، لا كتابة تاريخ انتقائي تنتصر فيه جماعة على أخرى.
ويتطلب ثالثاً إصلاح نظام التعليم، لأن المدرسة من أقوى المؤسسات القادرة على صناعة الوعي الوطني. فمن غير المعقول أن نطالب جيلاً جديداً بالانتماء إلى وطن واحد بينما نقدم له تاريخاً مجزأً ورؤية أحادية للمجتمع.

ويتطلب رابعاً بناء مؤسسات دولة عادلة ومتوازنة، لأن المواطن لا يتعلم الوطنية من الكتب فقط؛ بل يتعلمها من تجربته مع الشرطة والمحكمة والمدرسة والمستشفى والإدارة والخدمة العامة.

كما يتطلب الأمر توسيع المجال الثقافي الوطني بحيث تصبح لغات السودان وثقافته وفنونه وذاكرته المتنوعة مكونات في المشهد الوطني، لا علامات على الانقسام.

لماذا الدولة المدنية؟

الدولة المدنية ليست نقيض الدين، كما أنها ليست مرادفاً بالضرورة للنموذج العلماني الغربي. جوهرها السياسي هو أن تكون المواطنة والقانون والمؤسسات أساس العلاقة بين الدولة والمواطن، وأن تكون السلطة العامة خاضعة لقواعد دستورية لا لإرادة جماعة أو فرد.

وتكمن أهمية الدولة المدنية في أنها توفر الإطار الأكثر قدرة على إدارة التنوع. فحين تصبح الدولة ملكاً لمجموعة دينية أو إثنية أو جهوية، يصبح الاختلاف تهديداً سياسياً. أما عندما تكون الدولة ملكاً للمواطنين جميعاً، فإن اختلافاتهم تتحول من صراع على الدولة إلى تنافس داخل الدولة.

الدولة المدنية، بهذا المعنى، ليست مجرد شكل للحكم؛ إنها آلية لحماية التعدد ومنع تحويل الهوية إلى أداة للاستبعاد.

الهوية والدولة الوطنية: علاقة تأسيس متبادل
لا يمكن بناء دولة وطنية قوية من دون هوية جامعة، ولا يمكن بناء هوية وطنية جامعة من دون دولة عادلة.
العلاقة بينهما دائرية: الدولة العادلة تنتج الثقة، والثقة تنتج شعوراً بالانتماء، والانتماء يعزز شرعية الدولة. أما الدولة المنحازة فتنتج الإقصاء، والإقصاء يقوي الهويات الجزئية، و الهويات الجزئية المتصارعة تضعف الدولة.

ولهذا فإن أزمة السودان ليست أزمة هوية فقط، وليست أزمة دولة فقط؛ إنها أزمة في العلاقة بين الدولة والهوية والمواطنة.

السودان يحتاج إلى صناعة «نحن»

ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً أمام السودانيين اليوم ليس: أي هوية يجب أن ينتصر تعريفها؟ وإنما: كيف نصنع مساحة وطنية يستطيع المختلفون أن يقولوا داخلها: نحن؟

هذه الـ«نحن» لا تعني التشابه، ولا تتطلب التخلي عن الجذور. إنها تعني الاتفاق على قواعد العيش المشترك، وعلى حرمة الدم، وكرامة الإنسان، والمساواة أمام القانون، وحق الاختلاف، واحتكار الدولة للسلاح، والتداول السلمي للسلطة، وعدالة توزيع الفرص والثروة وعندها فقط يمكن للتنوع السوداني أن ينتقل من كونه سؤالاً للصراع إلى أن يصبح مصدراً للقوة.

إن بناء الدولة الوطنية السودانية لا يبدأ من محاولة اكتشاف سوداني «نقي» لا وجود له، وإنما من الاعتراف بأن السودان، في حقيقته التاريخية والاجتماعية، نتاج تفاعل طويل بين جماعات وثقافات وأقاليم وذاكرات متعددة.

والمطلوب ليس صناعة سوداني جديد يمحو ما قبله، بل صناعة مواطنة سودانية جديدة تستوعب الجميع.
فٓالدولة الوطنية لا تحتاج إلى شعب متشابه؛ تحتاج إلى شعب مختلف يؤمن بأن اختلافه لا يمنحه حقاً في إقصاء الآخر. والهوية الوطنية لا تكون قوية عندما تقول: «نحن الأفضل»، وإنما عندما تستطيع أن تقول بثقة: «نحن مختلفون، ولكننا متساوون، وهذا الوطن لنا جميعاً».

249910068123+
الخميس 10/22/2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى